تخطي للمحتوى
أصبحت التكنولوجيا إطارًا بنيويًا يعيد تشكيل أنماط التفكير والتواصل واتخاذ القرار، ما يجعلنا فى ظل هذا الاستغراق الرقمى المتزايد نجعل الوقاية الرقمية مفهومًا مركزيًا، يتجاوز البعد التقني ليمتد إلى الأبعاد الأخلاقية والقانونية.
الوقاية الرقمية في إطارها المعرفي، هي الوعي بالممارسات التي تحد من المخاطر الرقمية قبل وقوعها، مثل معرفة المستخدمين بأساليب تأمين هوُياتهم الرقمية، ومهارة إتقان إدارة البيانات، والوعى بطرق استخدام التقنيات الحديثة، فيمكننا القول أن الوقاية الرقمية تمثل انتقالًا من منطق “رد الفعل” إلى منطق “الاستباق”، ومن المعالجة اللاحقة إلى الحوكمة الوقائية.
لقد أفرزت البيئة الرقمية المعاصرة أنماطًا جديدة من التهديدات، أبرزها انتهاك الخصوصية الرقمية بهدف جمع البيانات الضخمة وتحليلها، دون علم المستخدم أو موافقته المباشرة، اضافة إلى الهجمات السيبرانية، التي تستهدف العامل البشري، ناهيك عن التضليل المعلوماتي والخطاب الزائف، الذي يوظف الخوارزميات للتأثير في الوعي وصناعة الرأي العام.
وتأتى أبعاد الوقاية الرقمية لتشمل البعد المعرفي، حيث القدرة على تنمية التفكير النقدي الرقمي، وتقييم المحتوى، مع فهم آليات عمل المنصات والخوارزميات، بما يحد من الوقوع في فخ التضليل، بينما البعد التقني يدعم تطبيق معايير الأمن السيبراني، كالتحديث الدوري للأنظمة، والتشفير، واستخدام أدوات الحماية المعتمدة، واتقان إدارة كلمات المرور، أما البعد السلوكي والأخلاقي فيرتبط بالمسؤولية الأخلاقية للأفراد في الاستخدام، من حيث احترام خصوصية الآخرين، والالتزام بآداب التواصل الرقمي، وإدراك تأثيرات الفعل الرقمي على المجتمع، ويأتي البعد القانوني والمؤسسي متعلقًا بالتشريعات المُنظمة للفضاء الرقمي، وضرورة تفعيل سياسات الحوكمة الرقمية داخل المؤسسات، بما يضمن حماية البيانات والحقوق الرقمية، كما تشكل الوقاية الرقمية ركيزة أساسية في بناء هوية رقمية متوازنة، قائمة على الوعي والضبط الذاتي، فكل تفاعل رقمي يساهم في تشكيل صورة الفرد الأكاديمية والمهنية والاجتماعية، ما يستدعي التعامل مع الفضاء الرقمي باعتباره مجالًا عامًا يخضع للتقييم المستمر.
تعتبر الوقاية الرقمية مشروعًا ثقافيًا ومعرفيًا طويل المدى، يستهدف إعادة تشكيل علاقة المستخدمين بالتكنولوجيا على أسس أخلاقية، في عالم تُقاس فيه القوة بالمعرفة، وتُحفظ فيه الحقوق بالوعي، ما جعل الوقاية الرقمية شرطًا لازمًا لأمن الفرد، واستقرار المجتمع، واستدامة التحول الرقمي .. إن الوقاية ليست خوفًا من التفاعل مع التكنولوجيا، بل إدراكًا واعيًا ببصمتنا فيها، ومسؤوليتنا تجاه واقعنا الرقمي.
د. جيهان سباق على خليفة
أستاذ الإعلام الرقمي المشارك